السد ومجلس الأمن

  فرنسا تترأس مجلس الأمن لهذه الدورة. بعد طلب السودان بعقد اجتماع لمجلس الأمن لمناقشة مشكلة سد إثيوبيا وتداعياتها الأمنية على الإقليم بعشرة أيام، وبعد أن أعادت مصر طلبها السابق وبشكل عاجل بنفس الطلب، أقر المندوب الفرنسي للأمم المتحدة أن مجلس الأمن سيعقد جلسة يوم الخميس ٨ يوليو الجاري للتداول حول هذه المسألة. هذا في ذاته هو كل ما تريده مصر. لأن مصر مدركة لكل العوائق أمام التعامل المتزن مع هذا الموضوع في هذا المجلس وكل الأطراف ذات المصالح المتضاربة داخله. ولكن لاستكمال الصورة التي تريد مصر إرسالها للعالم ، والتي عملت من أجلها لمدة عشر سنوات، فإن مجرد إعلان أنعقاد المجلس لمناقشة هذا الموضوع يكفي لإخطار كل دول العالم أن هذا الموضوع بالخطورة التي تستدعي أنعقاد هذا الاجتماع. وذلك بالرغم من كلمات المندوب الفرنسي بالقول أنها مشكلة بين مصر والسودان من ناحية وإثيوبيا. وهذا الكلام هو في محاولة واضحة من ناحية مجلس الأمن لتبرير عدم إتخاذ قرار في هذا الموضوع لأن أعضائه مدركين تماماً الانقسام الموجود داخل المجلس والذي سيؤدي لعدم إتخاذ قرار وأيضاً قد يصل لاستخدام الفيتو ضد أي تعامل بالنسبة للطلب المقدم. والرابط التالي يستعرض كل الخيارات التي أمام مجلس الأمن.


مصر تعلم ذلك جيداً ومسبقاً، ومع ذلك أصرت على هذا الاجتماع. لماذا؟
من أهم اساسيات تحضير الأرض لأي معركة هو كسب أكبر عدد من الدول لوجهة نظرك. لأنه عندما تقتنع الدول بذلك لن تكون هناك عقوبات عليك بعد إتخاذ الخطوات التي تُرَتِب لها. في هذه الحالة مصر لها عشر سنوات تعمل على توصيل وجهة نظرها بالنسبة للشح والفقر المائي الذي تعيشه والآثار الكارثية التي سيترتب عليه أي انتقاص في حصتها المائية من قِبَل اثيوبيا حتى لو كانت بذريعة التنمية الاقتصادية للبلد. وتمكنت مصر من توصيل ذلك جلياً لأن تعنت إثيوبيا في عدم التوقيع على إتفاق قانوني ملزم لكل الأطراف بعدم المساس بمصالح الآخرين هو أكبر دليل على النية المبيتة للإضرار بمصالح دولتي المصب.
لو كانت نية إثيوبيا صافية في هذا المجال، ولو كان السد مشروع ناجح فعلاً وآمن ويمكنه توليد كم الكهرباء التي تزعمها أثيوبيا، لكانت هي أول من أسرع في التوقيع على هذا الإتفاق القانوني الملزم لضمان استكمال بناء السد وسرعة تشغيله كي تبدأ في جني ثمار تصدير الكهرباء الناتجة عنه. لكن مجرد رفض اثيوبيا ذلك على مدى عشر سنوات يثير التساؤلات عن الوضع برمته. ولذا بدأت بعض المواقع المهتمة بالموضوع في التحري عن السد وعن الحكومة وعن الوضع داخل إثيوبيا.
اسفرت هذه التحريات عن الكشف عن الكثير من المفاجآت. ففي المقام الأول، عند تتبع تاريخ هذا السد وجد أنه كان مرسوم له أن يقام في مكان آخر غير الذي أقيم فيه وأن هذا المكان الذي أختير لإقامته عليه لا يميزه أي شئ من الناحية الهندسية ولكنه يعد مكان غير مناسب لأنه يقع في منطقة زلازل وهذا وحده سبب كافِ لعدم بنائه في هذا الموقع. لكن سبب آخر هو أن الأرض تحت الجبال التي اختيرت للموقع مليئة بالكهوف العملاقة وهذه الكهوف تعتبر قنابل موقوتة لو خزن فوقها ملايين الأطنان من أمتار المياه ، لأنها عرضة للانهيار ، ولو حدث ذلك سيحدث فيضان جارف لا يمكن التحكم في مداه وستغرق السودان وستتضرر مصر ، ولكن إثيوبيا لن يصيبها ضرر لأن ال١٥ كيلومتر التي تفصلها عن السودان جرداء. ولذا فاختيار هذا الموقع كان لأهداف أخري غير أهداف التنمية. ولكن كان من الممكن التعامل مع كل هذه العوائق لو كانت إثيوبيا التزمت بالرسومات الأصلية للسد والذي كان مقرر ان يخزن ١١ مليار متر مكعب. وكانت الحسابات دقيقة في ذلك بالنسبة للتضاريس ونوعية تربة المنطقة. ولو كان الغرض الثاني من بناء السد هو الاستفادة من المياه المخزنة ورائه للزراعة، فبنائه على قمة جبل صخري وعلى بعد ١٥ كيلومتر من حدودها الدولية مع السودان لا يعطي إثيوبيا أي مجال لهذه الاستفادة من المياه في الزراعة. لو كان هذا هو الغرض كان من المفروض أن يبنى هذا السد في أقرب منطقة للمنبع كي يستفاد من توزيع المياه على سائر الأراضي الإثيوبية. ولكن الذي كشف النقاب عن هذا الادعاء بأن هذا السد للتنمية الاقتصادية لإثيوبيا هو الكشف المفاجئ للعالم أجمع بأن السد المزمع بنائه في هذه المنطقة بالذات لم يعد سداً بسعة تخزينية ١١ مليار متر مكعب كما في الرسومات الأصلية، بل أصبح أكبر سد في إفريقيا بسعه ٧٤ مليار متر مكعب!
ولماذا هذا الرقم بالذات؟ لماذا لم يكن ٧٥ مليار متر مكعب، أو حتى ٧٠ مليار متر مكعب؟ لأن معدل الأمطار التي تتساقط على بحيرة تانا منبع النيل الأزرق هي ٧٤ مليار متر مكعب. أي أن السد بشكله الجديد سيخزن كل مياه النيل الأزرق! ولو كان هناك ذرة شك في نوايا إثيوبيا بالنسبة لبناء هذا السد بعد كل ما سبق، فالسعة المخطط لها لخزان السد في شكله الجديد هي الدليل الدامغ لسؤ النية من وراء بناء هذا السد.
ولكن ربك لبالمرصاد.
منذ بداية بناء هذا السد العملاق والذي لم يخطط له بأي نوع من المصداقية الهندسية، وهو يلاقي الكثير من المتاعب والعوائق. ولكن بما أن إسرائيل وجدت الفرصة للإضرار الجسيم بمصالح مصر ، فشجعت إثيوبيا في استكمال هذا السد، وصورته على أنه سيكون الرمز الذي يتوحد من ورائه الإثيوبيين وسيكون بمثابة الصرح الدائم الذي يخلد أسم صانعه. وهذا كان رئيس الوزراء السابق لآبي أحمد. وجاء آبي أحمد للسلطة وورث هذا الإرث. واستكمل في الخطة الشيطانية لأنه وجد أنها تزيد من شعبيته. كان يمكنه - لو كان رجلاً صادقاً وشجاع - أن يواجه شعبه بالحقيقة وأن هذا السد هو قنبلة موقوته زرعتها دولة تُظهِر الصداقة لإثيوبيا لكنها تضمر العداء لمصر. وأن أكتمال هذا السد مشكوك في أمره وأنه قد يصبح نقمة على إثيوبيا وليس نعمة. لكنه لم يكن لديه الشجاعة أو النزاهة الشخصية لفعل ذلك. وكل مرة كانت تحدث انهيارات لأجزاء من السد كانت هناك فرصة لآبي أحمد بأن يواجه الشعب بالحقيقة، ولكنه إختار استكمال طريق بناء السد وفي نفس الوقت بدأ خطة استخدام مصر كأداة لهدمه كي يستفيد هو شخصياً من ذلك بمساندة شعب إثيوبيا وفي نفس الوقت يتخلص من هذا الوحش الذي أصبح يهدد إثيوبيا نفسها. ولذا بدأت سياسة المفاوضات التي لا تصل لإي إتفاق، لان هدفها فقط المماطلة واستفزاز مصر لدرجة الاعتداء على السد وتدميره. ولكن مصر بدورها قامت بتعذيب إثيوبيا بأخذها المفاوضات على محمل الجد وكانت تتحلى بصبر أيوب مع كل الاستفزازات الإثيوبية. واستخدمت مصر خطة آبي أحمد ضده بأنها أظهرت للعالم أجمع مدي تفهمها للدوافع المعلنة من أثيوبيا بأن كل هذا في سبيل التنمية ، ولم تتفوه يوماً بالاعتراض على السد ، ولم تسرد يوماً كل الملابسات التي تحيط ببنائه ، وحجمه الذي تضخم فجأة ، وموقعه المشكوك فيه من كل الجهات. تماشت مصر مع خطة آبي أحمد في محاولة إيهام العالم أنها ترحب بجهود إثيوبيا للتنمية، وهي تعرف عن يقين أن هذا السد لن يكتمل ولن يتمكن من توليد الكهرباء لأن عندما حاولت إثيوبيا تثبيت التوربينات الأولى لتوليد الكهرباء حدث إنهيار جزئي في بناء السد واضطرت الشركة المنفذة لتغيير الرسومات والاستغناء عن إثنين من هذه التوربينات. وبعد عشر سنوات من بداية بناء السد ولم يولد كيلو وات واحد من الكهرباء بعد ، ولم يستفاد من المياه المخزنة ورائه في زراعة فدان واحد. وطول هذا الوقت ومع كل فيضان تتراكم أطنان من الطمي الآتي مع مياه الفيضان وراء السد وتزيد من الحمولة على أرض الخزان.
ولكن قامت اثيوبيا بالمستحيل للإبقاء على هذا السد واقفاً حتى الملء الثاني الذي يصل إلى حد إستقطاع مياه من حصة مصر. وكانت هذه النقطة هي التي لا يمكن لمصر تخطيها أو السكوت عنها. ولذا بدأت مصر في حملتها للتعريف بما يجري في إثيوبيا ولكنها أكملت في خطتها بعدم التعدي عليها إلا إذا أضرت إثيوبيا فعلياً بمصالح مصر وهددت بقائها بحرمانها من حصتها في المياه.
وقد وصلنا فعلاً لهذه النقطة.
ولكن مرة أخرى لن تلعب مصر في ملعب إثيوبيا وبشروطها، بل ستقلب الموازين عليها وبالرغم من أنها سوف تقوم بتعطيل السد عن الملء الثاني (والمشكوك أصلاً في إمكان حدوث ذلك لعدم استكمال البناء للممر الأوسط بالارتفاع الذي كان مخطط له ) إلا أنها لن تهدم السد خوفاً على السودان. بل ستتركه كرمز عملاق لكل كذب وإفتراء حكام إثيوبيا على شعبهم، وكمثال لما يمكن لبلد ضعيف أن يقع فيه من إستغلال من بلاد أخرى في غير مصلحة شعبه.
(٢)
خبير مصري: انهيار سد النهضة يشبه "قنبلة مائية" و20 مليون سوداني مهددون بالفناء
لا أعرف ما تنوي مصر عمله. لكن أتكهن بأنها ستقوم بتفكيك ما بني من ٦ أمتار في الممر الأوسط لتتمكن المياه المخزونة وراء السد من المرور الطبيعي لاستكمال طريقها عبر النهر إلى بلدي المصب وقد تترك الفتحتين الحاليتين كما هما للتأكد من سريان المياه في مجراها الطبيعي حتى مع قدوم الفياضان الذي ينذر بأنه سيكون عالى هذا الموسم. وستبلغ الخرطوم بهذه الخطة لتأخذ إحتيطاتها من الفيضان القادم.
ولكن كل هذا لا يكفي لأن على مصر أن تؤمن منبع المياه الوحيد الذي لديها. وبما أن مصر بلد تعاملاتها كلها في إطار القانون ، فاعتقد انها قد توافق على طلب إثيوبيا بالغاء الاتفاقيات السابقة المبرمة من "قوى الاستعمار" البريطاني كما إدعت اثيوبيا. وستلغي هذه الإتفاقيات والتي بمقتضاها تلغى الحصص المائية المخصصه لكل من مصر والسودان وكذلك تلغي منح إقليم بني شنقول لاثيوبيا مقابل عدم بناء أي سدود على النيل الأزرق. وبذلك تسترد كل من مصر والسودان ملكيتهما لإقليم بني شنقول في حدوده السابقة والتي تتضمن بحيرة تانا المنبع الأصلي للنيل الأزرق. وهنا تنتهى مشكلة المياه تماماً بالنسبة لكل من السودان ومصر بعودة ملكية منبع ومسار النيل الإزرق لهما. وهناك سابقة في التاريخ الحديث حيث إنضم اقليم عبر التصويت إلى بلد آخر غير التي كان جزء منها وهذا الإقليم هو القرم الذي صوت أبنائه للانضمام لروسيا وليس لأوكرانيا. وبالرغم من اعتراض الغرب على ذلك إلا أن روسيا وغالبية العالم الآن معترف بأن القرم جزء من روسيا. وسيستمر الحال كذلك لبعض الوقت ولكن بعد أن يندمج القرم تماماً مع روسيا وخصوصاً أن جزء كبير من مواطنيه من أصول روسية (تماماً كما أن جزء كبير من مواطني بني شنقول من أصول سودانية) ستصبح القرم جزء لا يتجزأ من روسيا.
وغالباً ستقوم الدنيا ولن تقعد لو حدث ذلك وستمر عقود طويلة في جدالات قانونية بيزنطية حتى يتم ترسيخ هذا الوضع وتكون الأمور قد تغيرت على الأرض ، لو لعبت مصر كورتها بالذكاء المعهود في قيادتها الحالية ، بحيث تتغير ديموغرافية المنطقة لتصبح مصرية سودانية في خلال عقود قليلة.
تنفيذ الخطة بإحكام يتطلب قوة معنوية وحجج قوية ووثائق تاريخية وقوة عسكرية. ومصر لديها كل ذلك. وأهم شئ تحتاجه مصر الآن هو وقوف الشعب وراء قيادته بصلابة وإيمان بأنها تقوم بكل ما في وسعها لتأمين بقاء مصر والمصريين. وكان الاحتفال بافتتاح قاعدة ٣ يوليو نموذج يحتذى به في طرق توصيل عدة رسائل ، منها رسالة للعالم أجمع ، ومنها رسالة لأثيوبيا ، ومنها رسالة للشعب المصري. وقد سرد ذلك جون المصري في الكليب التالي.
(٣)
حفظ الله مصرنا الحبيبة وابنائها الواعين
روابط المقال
(١)
(٢)
خبير مصري: انهيار سد النهضة يشبه "قنبلة مائية" و20 مليون سوداني مهددون بالفناء
(٣)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عودة السياحة بالسعودية

الثورة ف تونس