الثورة ف تونس

 تونس والفصل ٨٠ من الدستور

"لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي
لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن عن التدابير في بيان إلى الشعب.
ويجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويُعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة.
وبعد مضيّ ثلاثين يوما على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يعهد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو ثلاثين من أعضائه البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه. وتصرح المحكمة بقرارها علانية في أجل أقصاه خمسة عشر يوما. ويُنهى العمل بتلك التدابير بزوال أسبابها. ويوجه رئيس الجمهورية بيانا في ذلك إلى الشعب."

في صباح يوم الأحد ٢٥-٧-٢٠٢١ اعلن الرئيس التونسي قيس سعيد قراره بإعفاء رئيس الوزراء هشام المشيشي من منصبه ، وفي أجتماعه الطارئ مع القيادات العسكرية قرر تجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وأنه سيتولى السلطة التنفيذية بمساعدة رئيس حكومة جديد يعينه بنفسه. وحذر سعيد الإخوان من اللجوء للعنف واستخدام السلاح بالقول :"ومن يطلق رصاصة ستجابهه القوات المسلحة بالرصاص".

وكان هذا القرار إستجابة لثورة الشعب التونسي في عدة مدن بجانب العاصمة حيث خرج للشوارع في إحتجاجات عنيفة يطالب فيها الحكومة بالتنحي وبحل البرلمان. وفي هذه الاحتجاجات إستهدف الشعب مقرات حزب النهضة الإخواني في عدة مدن وذلك لسؤ إدارتها للبلد في أزمة كورونا الذي نتج عنه تدهور في الاقتصاد. وبالتالي في وضع تونس الخارجي.
وبعد إعلان الرئيس قيس سعيد هذا خرجت الجماهير للتعبير عن فرحتها وعن سخطها على الإخوان وإقتحمت مقر حزب النهضة في مدينة حومة بجزيرة جربة واخرجت ما بداخله من وثائق لإحراقها كما تم إزالة لافتة المكتب تعبيراً عن مشاعر الشعب في إزالة هذا الفريق من حكم تونس.

وطبعاً كان تعليق السيد منصف المرزوقي الرئيس التونسي السابق من فريق الإخوان أن ما فعله الرئيس قيس سعيد "انقلابا وخرقا للدستور لا يقبله المنطق" يعتبر منافِ للحقيقة لأن الرئيس سعيد إتبع الفصل ٨٠ بالدستور التونسي بالحرف وقرر الاستجابة لمطالب الشعب وقام بتطبيق الدستور في ذلك. وحاول المرزوقي الإيهام بأن هذا التطبيق ينافي الديمقراطية ويعيد تونس نصف قرن للوراء. وطبعاً هذا الكلام يوضح أسلوب الإخوان في قلب الحقائق واستخدام الكذب للتضليل ، وبالرغم من أنه قال أنه لا يدافع عن حزب النهضة أو البرلمان ، إلا أن الشعب التونسي الذي لديه نسبة عالية من التعليم واعٍ بكل التيارات ومدرك لصحيح الوضع لكل من في الصورة وميول كل واحد منهم. ولذا فلا يبدو أن كلمات المرزوقي كان لها كبير الأثر على الشعب التونسي في عمومه وهذا فقط للاستهلاك المحلي لشحن الموالين للإخوان.

وإمعاناً من الرئيس التونسي في تطبيق الدستور وممارسة الديمقراطية التي كانت تنعم بها تونس عن حق قبل إعتلاء الإخوان لحكم البلاد ، أعلن أن تجميد البرلمان سيكون لمدة ٣٠ يوماً ويمكن تجديد ذلك بتطبيق اللوائح الخاصة بهذه الإجراءات عند اللزوم. وفي نفس الوقت قام بتحذير الإخوان ، المعروفين بميولهم إلى العنف الجسدي واستخدام السلاح لضعف حججهم وعدم قدرتهم إقناع الشعوب بقدرتهم على الحكم الرشيد، بأن الجيش سيكون حازماً لأشد درجة في التعامل مع من تسوّل له نفسه إطلاق الرصاص واستخدام العنف ضد الشعب. وهذه أيضاً إشارة للشعب التونسي أن الجيش يقف وراء هذا القرار وأنه يقف وراء الشعب ويساند مطالبه في التخلص من حكم الإخوان.

ونتذكر أن تونس كانت أول دولة عربية إفريقية تُضرَب "بالربيع العربي" في أواخر سنة ٢٠١٠ بعد حرق بائع الخضار بو عزيزي لنفسه إحتجاجاً على أوضاع البلد وأسفرت الفوضى التي تلت ذلك في إسقاط الحكم في ١٧ ديسمبر ٢٠١٠ وفرار رئيسها بن على وتم إستيلاء الإخوان على الحكم بمساندة أمريكة أوباما كما كان مخطط. وبدأت عبارة "الإجابة هي تونس" تنتشر في الدول العربية المستهدفة لاستكمال الربيع العربي ومن ضمنها مصر. ولكن لا يصح إلا الصحيح. وبالرغم من وقوع مصر أيضاً لحكم الإخوان وغرقها لمدة سنة في بحار من الدم والعنف الإخواني، إلا أنها لم تبقى تحت هذا الحكم سوى عام واحد فقط وقام الشعب ذو التعداد المهول بالنسبة لتعداد شعب تونس ، وبمساندة الجيش المصري القوي ، بإزالة هذا العار من على جبين مصر. وكانت الشرارة التى أدت لذلك هو القرار الرئاسي الغير دستوري من مرسي بالاستحواذ الكامل على السلطات الثلاثة في يده (تنفيذية وتشريعية وقضائية) وبأثر رجعي.
أما الشرارة التي أشعلت الثورة التونسية على الإخوان والتي لها اليوم ١١ عاماً في الحكم كانت الواقعة التي حدثت في البرلمان التونسي برئاسة راشد الغنوشي المنتمي للإخوان ، عندما اعتدي عضو إخواني بالضرب المبرح على السيدة عبير موسي رئيسة الحزب الدستوري الحر والعضو في البرلمان داخل البرلمان وهي تفضح الإخوان بتصوير وقائعه. وكان هذا المشهد أكثر مما يتحمله الشعب التونسي فبدأت الثورة المضادة للإخوان والمطالبات بتنحية الحكومة وفض البرلمان.

بعد أتخاذ القرار الرئاسي بتطبيق الفصل ٨٠ من الدستور التونسي قرر أيضاً حماية المؤسسات التونسية مما قد يكون الرد العنيف من الإخوان على ذلك بأن نزلت الدبابات لتطويق وحماية مبنى البرلمان مما قد يفعله الإخوان . واستقبل الشعب التونسي ذلك بالهتاف والزغاريد لشعوره بمساندة الجيش لمطالباته بتنحية الإخوان عن الحكم.

وطبعاً من غير المنتظر أن يمر كل هذا بسلام من ناحية الإخوان لأنها صفعة أخرى لهم على الصعيد العربي بعد هزيمتهم المنكرة في مصر. وفعلاً لم يمر يوماً على ذلك وظهر راشد الغنوشي الإخواني ورئيس البرلمان التونسي ، يُكَذِّب ئيس الجمهورية ويقول أنه لم يبلغه بما كان سيفعل عندما تكلم معه عن الأوضاع المتردية في تونس. وفي محاولة لتقليد الإخوان في مصر حاول الغنوشي الذهاب لمبنى البرلمان للاعتصام فيه إحتجاجاً (في مصر كان إعتصامي رابعة والنهضة) وكما قال "دفاعاً عن الثورة" ولكن كانت تونس مستعدة لذلك ومنعته قوات الجيش من الدخول. فقرر الاعتصام أما البرلمان. والجدير بالذكر أن الرئيس قيس سعيد كان قد رفع الحصانة عن أعضاء البرلمان ورئيس الوزراء المقال.

وقبل هذا الموقف المخزي داخل البرلمان التونسي كانت هناك خلافات شديدة جداً بين كل من الرئيس التونسي الحالى قيس سعيد من ناحية ورئيس البرلمان الإخواني راشد الغنوشي ورئيس الوزراء الاخواني هشام المشيشي الذي رشحه البرلمان من ناحية أخري. ولكن يبدو أن كل من الشعب والجيش في صف سعيد وضد الأخوان، ولذا فقد بدأت الثورة من الشعب وساندها الرئيس بتطبيق الدستور وبحماية من الجيش. والرابط التالى تحليل لنوع الخلافات التي كانت قد وصلت للذروة داخل تونس.

ولا أحد يعرف باليقين مكان رئيس الوزراء المقال هشام المشيشي بالرغم من تداول إشاعات تقول أنه محتجز في قصر قرطاج. ويحاول الإخوان في تونس تأجيج الشعب ضد الرئيس بالتشكيك في مصير المشيشي ولكن يبدو أن وعى الشعب التونسي أقوى من ذلك وقد فاض به الكيل من حكم الإخوان لأكثر من عقد من الزمان سرقوا فيه امواله وأضروا بصحته واقتصاده وكرامته ، والآن تريد تونس التخلص من هذا الحكم وعودة تونس المختطفة لأحضان شعبها. وقد بدأت بعض المناوشات من الإخوان حول البرلمان في محاولة لاقتحامه ولكن تصدت لهم قوات الجيش ومنعتهم ، وحدثت بعض المصادمات بين الاخوان والشعب التونسي بالتراشق بالحجارة.

الوضع الآن في تونس دقيق جداً ومن المنتظر أنه لن يمر بسهولة لأن الإخوان في حالة صدمة وشعور بالخطر على آخر معقل رسمى لهم في العالم العربي ولذا ستكون حربهم للبقاء حرب شرسة جداً. لكن تونس، شعباً وجيشاً رجالاً ونساءاً وصلوا للذروة ولفظوا حكم الإخوان وسوف يقاتلوا في سبيل إسترداد بلدهم. كانت كلمة الرئيس التونسي كلمة متزنة وحاسمة وخصوصاً أنه القاها من مكتبه وهو مجتمع مع القيادات للقوات المسلحة التونسية وهذه كلها إشارات بجدية الموقف وإصرار الوطنيين من تونس على التخلص من الحكم الإخواني.

ستتوالى الأخبار من تونس وسأحاول موافاتكم بها ولكن ليس يومياً لأنه يصعب التحليل لوقع الأخبار إلا بعد مراقبة التطورات على الأرض . ولكن هذه هى الأخبار حتى وقت النشر
سعيد يعفى رئيس الوزراء ووزيري الدفاع والداخلية ووزيرة العدل بالنيابة من مناصبهم
ويكلف مدير الأمن الرئاسي خالد اليحياوي بالاشراف على وزارة الداخلية
نائب رئيس أتحاد الشغل يعلن أن الإتحاد يؤيد قرارات الرئيس وأنها تتوافق مع الدستور ومطالب الشعب. هذه أكبر نقابة عمالية في تونس ولذا فمساندتها للرئيس لها وزن كبير.
منع سفر الغنوشي وجميع الوزراء والنواب المجمدين ورؤساء البلديات وكبار المسؤولين للخارج.
صندوق النقد الدولي يؤكد استعداده لمواصلة مساعدة تونس على التكيف مع اثار أزمة كورونا وتحقيق انتعاش اقتصادي.
حظر التجول مساءاً وتعطيل العمل لمدة يومين عدا العاملين الأساسيين.
الغنوشي يطلب من اتباعه فض اعتصاماتهم لأنه لم يذهب أحدٍ فبعد يوم حافل بالنشاط الوطني من الشعب التونسي انفضت "الثورة" وذهب الجميع لمنازلهم طاعة لحظر التجول. وهكذا قامت الثورة النعمة في تونس وبالدستور وانهزم الإخوان
ذُكِرَت مصر وثورتها كثيراً في مقارنة فقط لأن الدولتان تخلصتا من الإخوان ولكن كل الظروف تختلف. في تونس وَضَعَ الإخوان دستور تونس وأعطوا الرئيس صلاحيات كبيرة جداً ولم يتصوروا يوماً أن يجيء رئيساً غير إخوانياً، ولذا بعد استخدام قيس سعيد الدستور نفسه للتخلص منهم فصراخهم أنه إنقلاباً على الدستور لم بجد أي صدي في الداخل أو الخارج. ومساندة الخارج لقرارات الرئيس سعيد حسمت الأمر بالنسبة لنجاح تونس في التخلص من الإخوان ، ولكن الإهانة الكبري جاءت للإخوان عندما حاولوا حشد الشعب لمساندتهم ولم ينزل أحداً. وبذلك نجد أن آخر بلدة كانت تخضع رسمياً لحكم الإخوان قد استقلت من هذا الحكم الذي فرض على المنطقة وهذه صفعة قوية من الدول العربية لجماعة الشر التي كانت وراء هذه الخطة لإعادة رسم شرق أوسط جديد.
المصريين يساندون الشعب التونسي بكل جوارحهم ويتمنون لهم التوفيق في تحرير بلدهم المختطف من هذه الجماعة الإرهابية ويذكرونهم بما قالوه سابقاً وكان له أكبر الوقع في وجدان الشعب المصري والتونسي على السواء:
إذا الشعب اراد الحياة. فلابد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلى. ولابد للقيد إن ينكسر

تحية من القلب لشعب وجيش تونس متمنين لهم التوفيق والانتصار

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

السد ومجلس الأمن

عودة السياحة بالسعودية